دور الشمع السلاوي: ذاكرة عريقة للاحتفال بالمولد النبوي واحتضان الزاوية الحسونية

دور الشمع السلاوي: ذاكرة عريقة للاحتفال بالمولد النبوي واحتضان الزاوية الحسونية
بقلم سهام زيان
ليس الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو طقس ثقافي وروحي يحمل في طياته ذاكرة أجيال متعاقبة. ومن بين أكثر مظاهر هذا الاحتفال تميزاً، يبرز «دور الشمع» السلاوي باعتباره تقليداً عريقاً ارتبط بمدينة سلا، ثم حمله الفُرّاق والوافدون إلى مناطق أخرى من المغرب، فوجد له فضاءات جديدة تحتضنه وتحافظ على حضوره.
ومن بين هذه الفضاءات تبرز الزاوية الحسونية باعتبارها حاضنة لهذا الموروث الاحتفالي، حيث يلتقي التقليد القادم من الذاكرة السلاوية مع فضاء صوفي وروحي يمنحه معنى جديداً دون أن يفقد جذوره.
إن «دور الشمع» ليس مجرد شموع تُحمل في موكب احتفالي، ولا مجرد مشهد جميل يرافق الاحتفال بالمولد النبوي؛ إنه تعبير عن علاقة الإنسان المغربي بالذاكرة والروحانية والجماعة. فالشمعة، في بعدها الرمزي، ليست مجرد ضوء، وإنما صورة للنور والهداية، وتحول الاحتفال إلى لحظة يتداخل فيها الديني بالثقافي والفني.
وإذا كان أصل هذا التقليد مرتبطاً بمدينة سلا، فإن انتقاله إلى مناطق أخرى يوضح كيف كانت الثقافة المغربية تنتقل بين المدن والأقاليم عبر الأشخاص والطرق الصوفية والحرفيين والفرق الاحتفالية. فالتراث لا يبقى دائماً محصوراً في المكان الذي وُلد فيه؛ أحياناً يسافر مع الإنسان، ثم يجد في مكان جديد من يحتضنه ويحافظ عليه.
وهنا تكمن أهمية الزاوية الحسونية؛ فهي لا تقدم هذا التقليد باعتباره غريباً عن فضائها، وإنما تحتضنه ضمن منظومة من الممارسات الروحية والاجتماعية المرتبطة بالمولد النبوي. وبذلك يصبح «دور الشمع» نقطة التقاء بين ذاكرة سلا العريقة وفضاء احتضنه وحافظ على استمراريته.
ومن الناحية الفلسفية، فإن انتقال العادات من مكان إلى آخر يطرح سؤالاً عميقاً: هل التراث ملك للمكان الذي نشأ فيه، أم ملك لكل من حافظ عليه وأعطاه فرصة للاستمرار؟
ربما لا توجد إجابة واحدة. فالأصل يجب أن يُحفظ ويُذكر، لكن الاحتضان أيضاً جزء من تاريخ التراث. لذلك من الإنصاف أن نقول إن سلا تحفظ الأصل والذاكرة، بينما الزاوية الحسونية تمثل فضاءً من فضاءات الاحتضان والاستمرار.
والشمع في هذا السياق يتحول إلى رمز يتجاوز مادته. فالشمعة التي تضيء في الموكب تحمل معها حكاية انتقال ثقافي من مدينة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل. إنها تذكرنا بأن الثقافة المغربية لم تكن يوماً جزرًا منفصلة، بل كانت دائماً شبكة من التبادل والتأثير والتفاعل بين المدن والزوايا والأسر والحرفيين والفرق الاحتفالية.
ومن هنا فإن الحفاظ على «دور الشمع» لا يعني الحفاظ على طقس احتفالي فقط، بل يعني الحفاظ على جزء من الذاكرة الثقافية المغربية. كما أن توثيق جذوره السلاوية، والإشارة إلى مسارات انتقاله، والاعتراف بالفضاءات التي احتضنته، كلها عناصر ضرورية حتى لا يتحول التراث إلى حكاية مبتورة من سياقها التاريخي.
إن دور الشمع السلاوي، حين يُستعاد داخل فضاء الزاوية الحسونية، يصبح أكثر من احتفال بالمولد النبوي؛ يصبح حواراً بين الذاكرة والمكان، بين الأصل والاحتضان، وبين الماضي والحاضر.
وفي النهاية، ربما أجمل ما في الشمعة أنها لا تحتفظ بنورها لنفسها؛ إنها تمنحه لمن حولها. وهكذا هو التراث أيضاً: يولد في مكان، ويحمله الإنسان إلى مكان آخر، ثم يستمر لأنه يجد من يؤمن بقيمته ويحتضنه.
لذلك يبقى «دور الشمع» شاهداً على قدرة الثقافة المغربية على عبور الجغرافيا والزمن، وعلى أن الذاكرة حين تجد من يحفظها، لا تموت؛ بل تضيء من جديد.




