ثقافة وفن

رحيل الصوت الذي كان يُفكّر… وفاة الفنان الاسطوري عبد الوهاب الدكالي

رحيل الصوت الذي كان يُفكّر… وفا الفنان الأسطوري عبد الوهاب الدكالي

بقلم سهام زيان
في زمنٍ أصبحت فيه الأغنية تُستهلك بسرعة، كان هناك رجال يصنعون الموسيقى كما تُصنع الفلسفة… بهدوء، بعمق، وبأثرٍ يبقى أطول من العمر نفسه. واليوم، يترجل واحد من آخر فرسان الطرب المغربي الأصيل، الفنان والموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي، تاركاً خلفه حزناً واسعاً في قلوب المغاربة وعشاق الفن الراقي.
لم يكن عبد الوهاب مجرد مطرب بصوت جميل، بل كان مدرسة فنية كاملة، وصوتاً يحمل داخل طبقاته روح المغرب القديمة، بكل ما فيها من شجن وكرامة وحكمة. كان يغني وكأنه يحاور الإنسان من الداخل، لا يبحث عن الضجيج ولا عن “الترند”، بل عن المعنى… عن ذلك الشيء الخفي الذي يجعل الأغنية تعيش لعقود دون أن تموت.
رحيله ليس فقط وفاة فنان، بل انطفاء جزء من ذاكرة موسيقية مغربية صنعت وجدان أجيال كاملة. فصوته كان يشبه الزمن الجميل حين كانت الكلمة تُكتب بإحساس، واللحن يُبنى كقطعة من الروح، لا كمنتج سريع للاستهلاك.
لقد صنع عبد الوهاب الدكالي اختلافه الخاص، ولم يشبه أحداً. كان يملك بصمة نادرة، تمزج بين قوة الأداء ورهافة الإحساس، بين الطرب المغربي الأصيل والنفس الفلسفي العميق. لذلك بقي حاضراً رغم تغير الأزمنة، لأن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية تسكن الناس.
وفي البعد الفلسفي، يبدو الموت هنا مجرد انتقال آخر لفنان فهم جيداً معنى الخلود الفني. فالأجساد ترحل، لكن الأصوات التي لامست أرواح البشر تبقى معلقة في الزمن. وربما هذا هو انتصار الفن على الفناء… أن يغيب الإنسان ويبقى أثره يرافق الناس في وحدتهم، في حنينهم، وفي لحظاتهم الصامتة.
المغرب اليوم لا يبكي مطرباً فقط، بل يبكي مرحلة كاملة من النبل الفني، من الهيبة الفنية، ومن الأغنية التي كانت تُربّي الذوق قبل أن تُسلّي الأذن.
رحم الله الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل إرثه الموسيقي شاهداً على أن الفن الحقيقي لا يموت أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى