حكامة الانتقال الطاقي في المغرب: نحو نموذج تنموي مستدام

حكامة الانتقال الطاقي في المغرب: نحو نموذج تنموي مستدام
بقلم: رشيد حبيل
لا شك أن سؤال الطاقة أضحى، في السياق الدولي الراهن، من بين أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً، حيث إن تزايد الطلب العالمي على الموارد الطاقية، وتفاقم التحديات البيئية، وتقلبات الأسواق الدولية، كلها عوامل أعادت ترتيب أولويات الدول، ودفعتها إلى إعادة التفكير في نماذجها التنموية… ومن ثم، فإن المغرب، باعتباره بلداً مستورداً للطاقة، وجد نفسه في قلب هذه التحولات، مدفوعاً بضرورة الانتقال من نموذج تقليدي قائم على التبعية والارتهان، إلى نموذج جديد يقوم على التنويع والاستدامة والنجاعة.
ومن المؤكد أن هذا التحول لم يكن خياراً ظرفياً أو استجابة آنية، وإنما هو توجه استراتيجي عميق، تأسس على إدراك متنامٍ بأن الأمن الطاقي يشكل أحد أعمدة السيادة الوطنية… وبالتالي، فإن تبني حكامة طاقية رشيدة أضحى مدخلاً أساسياً لتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وإكراهات الحفاظ على البيئة.
لقد عرف المغرب، خلال العقود الأخيرة، ارتفاعاً مطرداً في الطلب على الطاقة، بمعدل يقارب ستة في المائة سنوياً، وهو ما يعكس، من جهة، دينامية اقتصادية واجتماعية متصاعدة، ويترجم، من جهة أخرى، حجم الضغط المتزايد على المنظومة الطاقية الوطنية… حيث إن هذا الطلب المتنامي ترافق مع هشاشة بنيوية تتمثل في ارتفاع نسبة التبعية الطاقية، التي تجاوزت ثمانية وثمانين في المائة، مما جعل مسألة تأمين الإمدادات الطاقية تحدياً استراتيجياً بامتياز.
وبالتالي، كان من الطبيعي أن يتجه المغرب نحو إعادة هيكلة سياسته الطاقية، من خلال تبني مقاربة تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاعتماد على الطاقات المتجددة، وتحقيق النجاعة في الاستهلاك… إذ إن هذا التحول لم يكن مجرد خيار تقني، وإنما هو رهان تنموي شامل، يروم إرساء أسس اقتصاد أخضر ومستدام.
وعلاوة على ذلك، فإن فهم هذا التحول يقتضي الوقوف عند الإطار المفاهيمي الذي يؤطره، حيث إن الطاقات المتجددة تمثل، في جوهرها، مصادر طبيعية متجددة وغير ناضبة، كالشمس والرياح والمياه والكتلة الحيوية… وهي مصادر تتميز بكونها نظيفة، قليلة الانبعاثات، وقادرة على ضمان استمرارية الإنتاج الطاقي دون الإضرار بالتوازنات البيئية.
أما التنمية المستدامة، فهي الإطار المرجعي الذي يضفي على هذا التحول بعده القيمي والاستراتيجي، إذ إنها تقوم على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية… حيث إن تلبية حاجيات الحاضر لا يمكن أن تتم على حساب حقوق الأجيال القادمة، وهو ما يفرض اعتماد تدبير عقلاني للموارد، قائم على الحكامة والنجاعة والإنصاف.
ومن هذا المنطلق، شرع المغرب، منذ سنة 2009، في تنزيل استراتيجية طاقية طموحة، ارتكزت على رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي الوطني، حيث تم تحديد هدف بلوغ اثنين وأربعين في المائة في أفق 2020، مع رفع هذا السقف إلى اثنين وخمسين في المائة بحلول 2030… وهو ما يعكس إرادة سياسية واضحة في إعادة تشكيل الخريطة الطاقية الوطنية.
وقد تجسدت هذه الإرادة في إحداث منظومة مؤسساتية متكاملة، حيث تم إنشاء مؤسسات متخصصة تضطلع بأدوار محددة في مجال التخطيط والتنفيذ والبحث والتنظيم… إذ إن الوكالة المغربية للطاقة المستدامة اضطلعت بدور محوري في تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، في حين عملت الوكالة الوطنية للنجاعة الطاقية على تعزيز سياسات الاقتصاد في الطاقة، بينما ساهم معهد أبحاث الطاقة الشمسية في دعم البحث العلمي والابتكار، وتولت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء مهمة تنظيم السوق وضمان شفافيتها.
ومن ثم، فإن هذه الهندسة المؤسساتية تعكس تصوراً متقدماً للحكامة، يقوم على توزيع الأدوار، وتعزيز التنسيق، وضمان الفعالية… حيث إن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهيناً بمدى انسجام مكوناتها، وقدرتها على التفاعل مع التحولات الداخلية والخارجية.
إضافة إلى ذلك، عمل المغرب على تحديث ترسانته القانونية، بما يواكب متطلبات المرحلة، حيث تم سن قوانين تؤطر إنتاج واستغلال الطاقات المتجددة، وتعزز النجاعة الطاقية، وتفتح المجال أمام الاستثمار الخاص… إذ إن القانون المتعلق بالطاقات المتجددة شكل نقلة نوعية في هذا المجال، من خلال إرساء إطار قانوني يسمح للفاعلين الخواص بالمساهمة في إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة.
ولا شك أن هذه الإصلاحات التشريعية أسهمت في تحسين مناخ الاستثمار، وجعلت من المغرب وجهة جذابة للمستثمرين في مجال الطاقة… حيث إن الاستقرار القانوني والمؤسساتي يعد من العوامل الحاسمة في استقطاب الرساميل، خاصة في القطاعات ذات الكلفة العالية والمردودية طويلة الأمد.
وعند الانتقال إلى لغة الأرقام، تتضح معالم هذا التحول بشكل أكثر دقة، حيث إن القدرة الإنتاجية للطاقات المتجددة بلغت مستويات متقدمة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في مساهمتها ضمن المزيج الطاقي الوطني… إذ إن الطاقة المائية والريحية والشمسية تشكل اليوم مكونات أساسية في منظومة الإنتاج الكهربائي.
ومن المؤكد أن هذا التطور لم يكن ليتحقق لولا الاستثمارات الضخمة التي تم توجيهها نحو البنية التحتية الطاقية، خاصة في مجال نقل الكهرباء… حيث إن توسيع شبكة النقل وتحسين كفاءتها شكل شرطاً ضرورياً لدمج الطاقات المتجددة وضمان استقرار النظام الكهربائي.
كما أن المغرب يتمتع بمؤهلات طبيعية استثنائية، حيث إن عدد ساعات السطوع الشمسي المرتفعة، والموارد الريحية المهمة، كلها عوامل تجعل منه بلداً مؤهلاً لقيادة التحول الطاقي على المستوى الإقليمي… وبالتالي، فإن استثمار هذه المؤهلات يظل رهيناً بمدى فعالية الحكامة المعتمدة.
وعلاوة على ذلك، فإن الحكامة الطاقية لا يمكن اختزالها في بعدها التقني، وإنما تمتد لتشمل أبعاداً بيئية واجتماعية واقتصادية متداخلة… حيث إن الانتقال نحو الطاقات المتجددة يساهم في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، ويحد من آثار التغيرات المناخية، وهو ما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب في هذا المجال.
ومن جهة أخرى، فإن هذا التحول يحمل أبعاداً اجتماعية مهمة، إذ إن تعميم الولوج إلى الكهرباء، خاصة في المناطق القروية، ساهم في تحسين ظروف العيش، وتقليص الفوارق المجالية… كما أن المشاريع الطاقية أفرزت فرص شغل جديدة، وفتحت آفاقاً أمام الكفاءات الوطنية في مجالات متعددة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن تقليص الاعتماد على الواردات الطاقية يساهم في تخفيف الضغط على الميزان التجاري، ويعزز الاستقلالية المالية للدولة… كما أن خفض كلفة الطاقة على المدى الطويل ينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد الوطني.
غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من مكتسبات، يواجه جملة من التحديات، حيث إن التمويل يظل أحد أبرز الإكراهات، بالنظر إلى الكلفة المرتفعة للمشاريع الطاقية الكبرى… كما أن إدماج الطاقات المتجددة في الشبكة الكهربائية يطرح تحديات تقنية تتعلق بالتخزين واستقرار الإمدادات.
ومن ثم، فإن تجاوز هذه التحديات يقتضي تعزيز الابتكار، وتطوير تقنيات التخزين، وتوسيع الشراكات الدولية… حيث إن التعاون مع الفاعلين الدوليين يتيح نقل الخبرات، وتعبئة الموارد، وتسريع وتيرة الانتقال الطاقي.
وفي هذا السياق، يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد الرهانات المستقبلية الكبرى، حيث إن المغرب يسعى إلى تموقع استراتيجي في هذا السوق الواعد… إذ إن توفر الموارد الطبيعية، إلى جانب الموقع الجغرافي المتميز، يمنحه أفضلية تنافسية في هذا المجال.
كما أن تثمين الكتلة الحيوية، واستغلال النفايات في إنتاج الطاقة، يشكلان بدورهما مسارات واعدة لتعزيز الاستدامة… حيث إن هذه المقاربة تندرج ضمن اقتصاد دائري يسعى إلى تقليص الهدر وتحقيق أقصى استفادة من الموارد.
إضافة إلى ذلك، فإن الربط بين الطاقة وتحلية المياه يمثل نموذجاً مبتكراً للتكامل بين القطاعات، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه… حيث إن اعتماد الطاقات المتجددة في تشغيل محطات التحلية يضمن إنتاجاً مستداماً ومنخفض الكلفة.
ولا شك أن نجاح هذه الأوراش يظل رهيناً بترسيخ حكامة فعالة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والتخطيط الاستراتيجي… حيث إن الانتقال الطاقي ليس مجرد تحول تقني، وإنما هو مسار مجتمعي شامل، يتطلب انخراط جميع الفاعلين، من مؤسسات وقطاع خاص ومجتمع مدني.
وفي المحصلة، يتبين أن التجربة المغربية في مجال الانتقال الطاقي تشكل نموذجاً متقدماً في المنطقة، حيث إنها نجحت في الجمع بين الطموح والواقعية، وبين التخطيط والتنفيذ… ومن ثم، فإن هذا المسار، رغم ما يواجهه من تحديات، يظل مؤشراً على قدرة المغرب على بناء نموذج تنموي مستدام، يقوم على الحكامة الرشيدة، ويستشرف مستقبل الطاقة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة…


